دون أن أشعر مرت بي السنين، وأستيقظت على كابوسٍ يجبرني أن أصدق .. شئتُ أم أبيت فأنا في طريقي لإكمال السنة السابعة عشر من عمري ! أهكذا تفعل بي أيها العمر، تسلبني أحلى الأيام وتحرمني من أن أعيشها بِحُلوها ومرها.. أمسك رأسي بكلتا يدي وأحاول أن أتشبث بيومي هذا حتى لا يمضي ويسير بشكله الطبيعي فالساعات تبدو في كل يوم أقصر من سابقتها ! أخشى أن تفلت مني هذه الدقائق وأنا في غفلةٍ من أمري، وكأن تفكيري قد شُل من وقع الأسى، أيجب أن تتسارع الثواني، أن تمضي بي الأيام وتوليني شهراً بعد شهر إلى حيث اللا عودة ؟ فكل شيء يبدو لي خلاف ما كنت أراه سابقاً .. السماء التي كانت تمطر عليَّ طمأنينة وسلام اليوم أُصبِحُها وأمسيها بإبتسامة السخرية من هذا القدر، الأرض التي حملت ذكريات ذهابي وإيابي ومرحي حد الطيران أصبحت الآن تحاول لملمة ضياعي فلا تفلح .. سطوري، دفاتري القديمة، كل الأقلام التي أهديت لي لم تعد تذكرني، حتى أنا لم أعد أنا ! فكم أفتقد تلك التي كُنت.. أرجوكِ أيتها الحياة تمهلي، لا تحمليني بعيداً.. أخشى على الأمل الصغير أن يموت ويحترق، أخشى على شموعي التي أضأتها أن تذوب أو منها أختنق..
كم مررت على هذا الطريق.. وذرفت فوق ترابه أيام العمر الطويل، ترى أيسامحني دهري إن فارقته، أيتذكرني دربي إن هجرته، أيفتقدني قلبي إن خاصمته، أيُحييني بدني إن أهملته؟ كلها أسئلة تبحث عن جواب تعلم أنها لن تسمعه ولن تراه.. فذاكرتي التي فقدتها وبكيتها إلى حد الهذيان لن تعود مهما حصل، ذاكرتي التي كنت أسقيها كل يوم بأجمل ما يمكن أن تحويه ذاكرة، كنت أحافظ عليها من كل ما يؤذيها ويجرحها.. الآن تخونني وتبقيني وحيدةً أخوض معترك الحياة بلا ملاذٍ آمن أرجع إليه إن أتعبتني أثقال حيرتي وتوحدي.