إقتربتُ منها .. مسحتُ الترابَ عنها ورحتُ أشمُ عبقهآ
دونَ أن أدري لامست كفي موضعَ جُرحِهآ
جرَّت أنّة .. كادت أن تُخرِجَ روحي من بين جنبي
سألتها : كيفَ أمسيتِ؟ .. هل ما زالَ الألمُ رهيباً؟
رأيتُها تفتحُ عينيها بغربةٍ لم تعرفها من قبل، أمسكت بيدآي ..
ـ من أنتِ؟
ـ ألم تعرفيني، أنا إبنتك.
ـ سامحيني .. فأنا اليوم أمٌ للجميع، تختلطُ عليَّ ملامحكم أحياناً!
لم أتمالك نفسي كانت العبرات تتجارى وأنا أراني في ظلامٍ موحش
أسمعُ نباح كلابِ الليل، وأعلم أن جميع من حولي قد تفترسهم خفافيش الظلام في أيةِ لحظة.
ولكن، هذا ليس وقتَ البكاء ..
همستُ بأذنها : حدثيني .. ما الذي حدث ؟
ـ لم تجبني بل ظلت تتأمل عيناي، ثم قالت : ما الذي لم يحدث؟
زفرتُ وقلبي بدأ يرجف فتلك الصور لا تفارقني، تذكرت عيونهم وإبتسآمتها العذبة ..
شعرت أن الدنيا تدور بي أردت أن أقف لأرى ما الذي يجري، فأجلستني، ليبدأ حديث الشجون ..
ـ سألتِ عن ألمي هل خف أم لا، .. هل أنتِ غافلة عما يجري حولك؟ ألا ترين نساءَ أرضي يقضين نهارهن عند القبور، ألا ترين أولادي كيف فُجرت رؤوسهم، ألا ترين بناتي كيف ودعنَّ آبائهن؟ .. إن قلبي ينزف، ولا شيء يضمد جراحي .. أبداً أبداً.
سكتت لفترة وكأنها تسترجع ذلك اليوم الأسود، كانت تنهداتها أشبه بسكاكين تطعن أيامي وأنا أتأمل الذاهبين والآتين، أرى فيهم شيئاً لا يمكن وصفه، في عيونهم حزنٌ دفين .. ويبدون أقوياء جداً، وهاماتهم مرفوعةٌ .. هي أقرب للسمآء منهآ إلى الأرض، صمتهم يحمل في طياته عزةً لم أعهدها، وكبرياؤهم ليس له مثيل.
قلت لها بحب: هؤلآء جميعاً أبنائك وأخواني، أترينهم؟
أجابتني بحسرة : إن الذي مرَّ عليهم لم يمر على أحد، إلى الآن.
لاحَ على وجهي طيف إبتسامة ولملمتُ أذيآلي قآئلة:
لذلك أنتِ سترة الإباء والبطولة والفدآء .. لذلك أنت والدة الشهدآء.
أنتِ إبنة بحرين الشرفآء .. وقد كنتِ نقطة البدآية حتى شحذتِ الهمم فمضوآ في طريق اللآ عودة.
يآ سترةَ الصمود ..
أراكِ اليومَ تُضمدينَ الجرآح
تمسحينَ الأدمعَ الحيرى،
وتطفئينَ لهيبَ الصدرِ المُشتعل، تحمين من فيه بفيضِ رحمتك
تداوينَ إنكسآرَ القلوب التي سكنتكِ عشقاً سرمدياً ..
تلملمينَ الحزن المتنآمي من هنآ وهنآك، علكِ تقبرينهُ في إحدى حفر النسيآن
وتصبينَ مآءَ الزهرِ على أوجآع يتآمآكِ
أظننتِ أنها تُمحى وتطفأ ؟
سترةَ الإبآء ..
ليسَ لكِ أن تنزعي ثوبَ الحدآد ..
إحفظي ذكريآتكِ، فهي قآموس العزة والصبر..
إقبلي أنك جزيرةٌ الآلام وريآح الزمهرير،
في ليلةٍ إستبآحوك كنتُ أنعى لك قلبي النآزف
ولم أعلم أنك ستنعينَ لي إخوةً كُثر
لم أعلم أنني سأرثي أرواحاً سكنتني.
لم أعلم أنكِ ستخلفينَ بي كل هذا الألم ..
.. لكِ مني يآ بحرين كل الحب يآ من أنجبتِ قرى الإنتصآر ~
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق